المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان يفرض  نفسه كواحد من أبرز المؤسسات التعليمية الوطنية

  (بقلم أحمد بونجمة)

فرض المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان نفسه كواحد من أبرز المؤسسات التعليمية الوطنية بعدما راكم تجربة كبيرة بوأته سمعة ومكانة تعدتا الحدود الوطنية .

وتتمثل أهمية المعهد ليس فقط في مساهمته في تخرج وبروز عدد من الاسماء اللامعة على الساحة الوطنية في عالم التشكيل ، والاقبال المتزايد للطلبة عليه من مختلف أنحاء المغرب ، بل لسعي   جهات فنية وثقافية من عدة دول أجنبية خاصة من فرنسا واسبانيا وبلجيكا لخلق روابط من الصداقة والتعاون معه .

ومع ذلك ، فإن طموح مدير المعهد السيد عبد الكريم الوزاني لا يقف عند هذا الحد ، حيث يؤكد على ضرورة تطوير منتوج المعهد للارتقاء به إلى مستويات أفضل وعدم الاكتفاء بتمجيد تاريخه والتفكير في مواجهة التحديات التي يواجهها ، ومن أبرزها مسايرة المعهد للتطورات المتسارعة والمتلاحقة الحاصلة في مجال المعلوميات .

وشدد على أن الظرفية الحالية " تحتم التخطيط بكل واقعية للمستقبل المنظور والبعيد وأن نكون سباقين إلى الابتكار ونكسر عقدة النقص الموجودة عندنا اتجاه الاجنبي ، الذي أصبحنا معه ، بفضل تطور العلوم والتقنيات ، في مرتبة متساوية حيث التفوق يصنعه العلم والجدية والتخطيط المحكم" .

تطوير مناهج التدريس لخلق تكوين يلائم سوق الشغل

وفي هذا السياق ، أوضح السيد الوزاني ، في حديث خص به وكالة المغرب العربي للأنباء ،  أن المعهد أعد نفسه لمصاحبة المشاريع الكبرى التي تنجز أو التي في طريقها للإنجاز بالمنطقة وأبرزها الميناء المتوسطي ، حيث برمج عدة مناهج وتكوينات لتلائم الحاجيات الجديدة لسوق الشغل  .

وقال" إننا لا نريد فقط أن تستوطن عدة مؤسسات رائدة على الصعيد العالمي ببلدنا ، بل نأمل أيضا أن تستعين هذه المقاولات بأطر مغربية مكونة ومؤهلة بمقدورها تلبية حاجياتها ، وهو ما من شأنه أن يحد من ظاهرة هجرة الكفاءات إلى الخارج".

  وفي معرض حديثه عن المناهج البيداغوجية بالمؤسسة ، ذكر السيد الوزاني ، الذي تولى مسؤولية تسيير المعهد بعد الفنان محمد شبعة ،  أنها أصبحت تشمل حاليا مستجدات التعليم الفني الحاصلة عالميا ، خاصة في ما يتعلق بمجال الصورة الرقمية والاشرطة المرسومة والمتحركة .

وأشار إلى أنه تم في هذا الاطار بتعاون مه مندوبية والوني بروكسيل بالرباط خلق شعبة خاصة    

بالاشرطة المرسومة ، وذلك لاول مرة في تاريخ هذه المؤسسة مما منحها تميزا على المستويين العربي والافريقي ، خاصة وأن بلجيكا ، يقول السيد الوزاني ، تعتبر من الدول الرائدة في هذا مجال الفن التاسع /الاولى عالميا/.

وأوضح أنه تجسيدا للإنجاز الحاصل في هذا المجال تم إحداث المهرجان الدولي للأشرطة المرسومة الذي صارت له اليوم شهرة متوسطية وإفريقية متميزة ، وجعل من تطوان إحدى عواصم الاشرطة المتوسطية بالحوض المتوسطي بعد أن نظمت منه لحد الساعة خمس دورات متتالية من 2002 إلى 2008 .

ومن النتائج الايجابية لهذه للمستجدات الحاصلة في مجال الاشرطة المرسومة والتخطيط الغرافيكي ، يضيف مدير المعهد ، أن الطلبة أضحوا لا يكتفون بالدراسة والتحصيل ، بل أصبحوا يقومون بأعمال تباع يتلقون مقابل عليها، وذلك بعد أن تم خلق نظام  شبه تعاوني سيمكنهم من تدبير الصفقات .

وبعد أن  أعلن أن طلبة المعهد يحضرون حاليا لانتاج فيلم للرسوم المتحركة من ست دقائق سيعرض في المهرجان القادم لهذا النوع من الفنون بمكناس ، أشار إلى أن تطوير المنتوج بالمعهد سيمكنهم من الاشتغال مع أية مؤسسة تلفزية في العالم ، وهو ما يعتبر في حد ذاته إنجازا كبيرا يسمح لهم بولوج سوق كبير وواعد .

الاكراه الوحيد الذي يواجهه المعهد يتمثل في ضعف بنية الاستقبال

وعن الاكراهات التي يواجهها المعهد الوطني للفنون الجميلة ، يؤكد السيد الوزاني بلغة الواثق في نفسه ، أنه لم يطلب أبدا الزيادة في الميزانية المرصودة للمؤسسة لانه يعتمد على طرق أخرى للتسيير ومن أبرزها الشراكات القائمة مع عدة مؤسسات صديقة بالخارج خاصة مع اسبانيا ،ومن بينها اتفاقية التعاون القائمة بين المعهد ونظيره في طوليدو ، علاوة على المساعدات المالية التي يتلقاها المعهد كالمساعدة التي حصل عليها من اللجنة الاوربية .

وأشار في هذا السياق إلى أن المؤسسة تحصل في مهرجان واحد على مبلغ يساوي ثلاثة أضعاف الميزانية السنوية المرصودة للمعهد ، التي رغم أنه تم الرفع من قيمتها إلا أنها تظل دون مستوى الطموحات والامال المعقودة عليها .

وأكد أن الاكراه الوحيد الذي يواجهه المعهد يتمثل في ضعف بنيته الاستقبالية ، حيث لا يتمكن من قبول أكثر من ثلاثين طالب في السنة ، وقال إن هذا الامر يدعو إلى الاسف لانه يحرم العديد من الكفاءات من من ولوج المعهد لإبراز مواهبها الفنية .

نبذة تاريخية (المعهد أول مدرسة وطنية مختصة في تدريس الفنون التشكيلية )

تأسس المعهد الوطني للفنون الجميلة سنة 1945، كأول مدرسة بالمغرب مختصة في تدريس الفنون التشكيلية: (رسم، نحت، صباغة وحفر..)، وذلك من قبل الرسام الأسباني ماريانو برطوتشي.

وفي سنة 1957 دشن جلالة المغفور له محمد الخامس بنايتها الجديدة خلال إحدى زياراته إلى تطوان، محدثا بذلك نقلة نوعية في مسارها التربوي والإداري  ، حيث صارت منذ ذلك الحين مدرسة وطنية لتكوين أطر مغربية في مجال الفنون التشكيلية حديثة العهد بالمغرب ، وساهمت بالتالي في تخريج الرعيل الأول من الفنانين التشكيليين المغاربة أمثال: المكي مغارة وسعد السفاج ومحمد السرغيني ومحمد شبعة ومحمد المليحي وغيرهم..

وفي سنة 1994، صدر قرار وزاري بتحويل المدرسة إلى معهد وطني يتم فيه قبول الطلبة الحاصلين على شهادة الباكالوريا ، وذلك في إطار سياسة وطنية لتفعيل التعليم الفني الجامعي، وتخريج أفواج من الفنانين المغاربة بمستوى التعليم العالي.

الشعب المقررة

يدرس المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان ثلاث شعب أساسية : شعبة الفن التي تتضمن تخصصات الرسم، والصباغة، والحفر، والنحت ، وشعبة التصميم الإشهاري التي تؤهل الطلبة للتخصص في الفنون الكرافيكية والتسيير الفني لعلب التواصل والمقاولات الإشهارية ، وشعبة الأشرطة المرسومة .

وتتضمن الدراسة في هذه الشعب موادا نظرية موحدة (تاريخ الفن، الفلسفة، السيميولوجية والتواصل)، بالإضافة إلى المواد التطبيقية الخاصة بكل تخصص على حدة.

تتضمن الدراسة أربع سنوات متصلة، مقسمة على سلكين أساسيين : الاول ويهم السنتين الاولى والثانية في إحدى التخصصات السالفة الذكر، يحصل الطالب من خلالها على دبلوم السلك الأول الذي يعادل شهادة الدراسات الجامعية ، والسلك الثاني ويتضمن سنة ثالثة للتعمق في الاختصاص مع سنة نهائية ينجز فيها الطالب بحث نظري وتطبيقي للحصول على دبلوم التخرج المعادل للإجازة.

شروط القبول

يتم قبول الطلبة سنويا بعد اجتياز مباراة لولوج المعهد في الأسبوع الثاني من شتمبر من كل سنة. يختبر الطالب في كتابة موضوع فكري

بلغة من اختياره، مع إنجاز رسم حي أمام لجنة الاختبار.

أنشطة المعهد

بالإضافة إلى التدريس، يساهم المعهد بقوة في تفعيل التنشيط الثقافي والفني لولاية تطوان، حيث ينظم المهرجان الدولي للأشرطة المرسومة الذي صارت له اليوم شهرة عالمية كبيرة ، كما يشرف على تأطير أوراش متخصصة في الرسم والأشرطة لفائدة تلامذة المؤسسات التعليمية بالولاية بتعاون مع النيابة الإقليمية لوزارة التربية الوطنية، وكذا إنجاز جداريات بالمدينة.

ويساهم المعهد أيضا في مجموعة من التظاهرات الكبرى بالمدينة مثل مهرجان تطوان لسينما دول البحر الأبيض المتوسط. ويستعد حاليا لتنظيم مهرجان دولي لفنون الحفر بشراكة مع المعهد الفرنسي ومعهد سرفانطس في الخريف المقبل.

آفاق واعدة للشغل

ويتميز المعهد الوطني للفنون الجميلة بتخريجه لأفواج من الفنانين التي تندمج بسهولة في سوق الشغل الراهن، سواء بخلق مقاولات

خاصة أو بالعمل في مؤسسات التواصل ووكالات الإشهار والمطابع الكبرى بدرجة أنه يمكن القول أن نسبة البطالة تكاد تكون منعدمة في صفوف خريجي الكرافيزم والأشرطة المرسومة.

كما أن جل الفنانين الشباب في مجال الفنون التشكيلية يجولون اليوم أهم المعارض الوطنية والدولية أمثال: سعيد المساري، و يونس رحون وصفاء الرواس وبلال الشريف ورحيمة العرود والحجوبي، والكهفاعي... وبعضهم الآخر يدرس بنفس المؤسسة ومؤسسات أخرى داخل وخارج المغرب بالإضافة إلى مزاولته لمهنة الفن، مثل فوزي العتيريس وحسن الشاعر وسعيد النالي.

صورة لمدير المعهد السيد عبد الكريم الوزاني وأخرى لبناية المعهد